سيد قطب
1842
في ظلال القرآن
اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ، وما نرى لكم علينا من فضل ، بل نظنكم كاذبين . . قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعمّيت عليكم ، أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ؟ ويا قوم لا أسألكم عليه مالا ، إن أجري إلا على اللّه ، وما أنا بطارد الذين آمنوا ، إنهم ملاقو ربهم . ولكني أراكم قوما تجهلون . ويا قوم من ينصرني من اللّه إن طردتهم ؟ أفلا تذكرون ؟ ولا أقول لكم عندي خزائن اللّه ، ولا أعلم الغيب ، ولا أقول : إني ملك ، ولا أقول للذين تزدري أعينكم : لن يؤتيهم اللّه خيرا ، اللّه أعلم بما في أنفسهم ، إني إذن لمن الظالمين . قالوا : يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ، فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين . قال : إنما يأتيكم به اللّه - إن شاء - وما أنتم بمعجزين » . . ثم يجيء مشهد الطوفان وهلاك المكذبين ونجاة المؤمنين . وفي قصة هود نجد هذا المشهد : « قالوا : يا هود ما جئتنا ببينة ، وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك ، وما نحن لك بمؤمنين . إن نقول : إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء . . قال : إني أشهد اللّه ، واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه ، فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون . إني توكلت على اللّه ربي وربكم ، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ، إن ربي على صراط مستقيم ، فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ، ويستخلف ربي قوما غيركم ، ولا تضرونه شيئا ، إن ربي على كل شئ حفيظ » . . ثم تجيء العاقبة : « وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ . وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ ، وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ ، أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ ، أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ ! » . وفي قصة صالح نجد هذا المشهد : « قالوا : يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا ، أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ؟ وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب . قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة ، فمن ينصرني من اللّه إن عصيته ؟ فما تزيدونني غير تخسير » . . ثم تجيء العاقبة بعد عقر الناقة والتكذيب : « فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ، وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ . كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ، أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ، أَلا بُعْداً لِثَمُودَ ! » . . وفي قصة شعيب نجد هذا المشهد : « قالوا : يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ؟ إنك لأنت الحليم الرشيد ! قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا ؟ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا باللّه ، عليه توكلت وإليه أنيب . ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح ، وما قوم لوط منكم ببعيد . واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه ، إن ربي رحيم ودود . قالوا : يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول ، وإنا لنراك فينا ضعيفا ، ولولا رهطك لرجمناك ، وما أنت علينا بعزيز . قال : يا قوم أرهطي أعز عليكم من اللّه واتخذتموه وراءكم ظهريا ؟ إن ربي بما تعملون محيط . ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل ، سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب ، وارتقبوا إني معكم رقيب » . . ثم تجيء الخاتمة : « وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ، وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ، فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ . كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ، أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ! » . . * ومن ذلك التعقيب على هذا القصص بتوجيه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى دلالته : والتسرية